الشيخ عبد الله البحراني

350

العوالم ، الإمام علي بن أبي طالب ( ع )

وأمّا الدعاء بموالاة من والاه فليس بتلك المثابة ، وإنّما يتمّ هذا لو ادّعى أحد أنّ اللفظ بعد ما اطلق على أحد معانيه لا يناسب أن يطلق ما يناسبه ويدانيه في الاشتقاق على معنى آخر ، وكيف يدّعي ذلك عاقل مع أنّ ذلك ممّا يعدّ من المحسّنات البديعيّة ؟ بل نقول : تعقيبه بهذا ، يؤيّد ما ذكرناه ، ويقوّي ما أسّسناه بوجوه : الأوّل : إنّه لمّا أثبت صلّى اللّه عليه وآله له الرئاسة العامّة والإمامة [ الكبرى ] وهي ممّا يحتاج إلى الجنود والأعوان ، وإثبات مثل ذلك لواحد من بين جماعة ، ممّا يفضي إلى هيجان الحسد المورث لترك النصرة والخذلان ؛ لا سيّما أنّه صلّى اللّه عليه وآله كان عالما بما في صدور المنافقين الحاضرين من عداوته وما انطوى عليه جنوبهم من السعي في غصب خلافته عليه السلام ، أكّد ذلك بالدعاء لأعوانه ، واللعن على من قصّر في شأنه ، ولو كان الغرض محض كونه صلّى اللّه عليه وآله ناصرا لهم ، أو ثبوت الموالاة بينه وبينهم كسائر المؤمنين ، لم يكن يحتاج إلى مثل تلك المبالغات ، والدعاء له بما يدعى للأمراء وأصحاب الولايات . والثاني : إنّه يدلّ على عصمته اللازمة لإمامته عليه السلام ، لأنّه لو كان يصدر منه المعصية لكان يجب على من يعلم ذلك منه منعه وزجره ، وترك موالاته ، وإبداء معاداته لذلك ، ودعاء الرسول صلّى اللّه عليه وآله لكلّ من يواليه وينصره ، ولعنه على كلّ من يعاديه ويخذله ، يستلزم عدم كونه أبدا على حال يستحقّ عليها ترك الموالاة والنصرة . والثالث : إنّه إذا كان المراد بالمولى ، الأولى - كما نقوله - كان المقصود منه طلب موالاته ومتابعته ونصرته من القوم ، وإن كان المراد الناصر والمحبّ ، كان المقصود بيان كونه صلّى اللّه عليه وآله ناصرا ومحبّا لهم ، فالدعاء لمن يواليه وينصره ، واللعن على من يتركهما في الأوّل أهمّ ، وبه أنسب من الثاني ، إلّا أن يؤول الثاني بما يرجع إلى الأوّل في المآل ، كما أومأنا إليه سابقا .